لم يدر بخلد الرحالة الإسلامي المعروف محمد بن ناصر العبودي، أن زيارة واحدة لافريقيا ستفتح له نافذة الإطلالة على أغلب بلدان الدنيا في قارات العالم الخمس، ولم يتخيل الشيخ العبودي أن الزيارة ذاتها ستوفر له مخزونا كبيرا من المخطوطات والكتب التي تزيد على 300 مخطوط وكتاب. وفي زمن قل فيه الرحالة المسلمون الذين يرصدون واقع البلدان الإسلامية بمشاهدها الثقافية والفكرية والاجتماعية، يظل الشيخ العبودي واحدا من أشهر الرحالة المعاصرين حيث سرد في حوار مطول مع «عكاظ» قصة تأليفه لمعجم بلاد القصيم وموقف الملك فيصل من ذلك، وأبرز العقبات التي واجهته، إضافة لبداية رحلاته الخارجية، ومواقف الشيخ ابن باز وابن إبراهيم – رحمهما الله – من رحلاته إلى افريقيا والمواقف التي مر بها في الكنغو وجزر فيجي وغيرها في الحوار الذي دار في مكتبه في رابطة العالم الإسلامي فإلى التفاصيل:
• بداية ما هي دوافعكم في إعداد «معجم بلاد القصيم» مع الشيخ ابن جنيدل والشيخ حمد الجاسر؟
ـــــ الدوافع التي دفعت إلى تأليف معجم بلاد القصيم ينبغي أن تعرف، وذلك أنه عندما أنشئت الإذاعة السعودية في عام 1368هـ وصار بعض المذيعين الذين يأتون من مناطق من المملكة غير منطقة الرياض أو غير منطقة جدة مثلا لا يعرفون كيفية النطق بأسماء البلدان والقرى والأماكن والوديان والجبال التي يطلب منهم أن يقرأوا أسماءها في الأخبار، أنت إذا كنت تعيش في مكة المكرمة في ذلك الوقت، فلا تعرف مثلا المذنب، أنا سمعت أن المذنب أحدهم أسماها المذنب، وغيره أسماها المذًنَّب، وغيره أسماها المذنب، لأنه لا يوجد لديهم مرجع.
حمد الجاسر فكر في هذا، بحكم اتصاله بالمجمع العربي في دمشق، فعرض على الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله بأن هذا أمر غير مناسب، أن نجد الناس يلفظون بأسماء أماكن في بلادنا بلفظ غير صحيح لا يفهمونه، فقال الملك فيصل: أنا مثل ذلك أتألم، ولكن ما رأيك وما العمل؟
فأجابه: رأيي أن يؤلف معجم في أماكن المملكة العربية السعودية، وهذا الأمر لا يمكن أن يكون من شخص واحد، ليس لأن العمل كثير فقط، ولكن لعدم استطاعته، فكيف يتكلم واحد مثلا من أهل المنطقة الوسطى عن أماكن في تهامة أو في المنطقة الغربية من القرى، وهو لا يعرفها، ولا مرت عليه، لذلك يجب تقسيم المملكة إلى عدة أقسام أو عدة مناطق، كل منطقة يكلف بها باحث من الباحثين، وأنا لحسن حظي أعطيت منطقة القصيم، والكتابة عن بلدانها، والسبب في ذلك أنني من أهل المنطقة، ولأنني معني ومعروف من مدة طويلة، أنني أهتم بموضوع التاريخ والأماكن، وقال لنا الشيخ حمد الجاسر – رحمه الله- إنه اتفق مع الملك فيصل، أن تكون هناك جائزة أو شيء من هذا القبيل، يعني شيئا ماليا يعطى للرجل المؤلف بعد أن ينتهي من التأليف، وأنه وعده الملك فيصل بذلك، بطبيعة الحال حتى الآن نحن لم نتسلم شيئا، ولم نطالب بشيء، لأننا والحمد لله أغنياء، فالقول بأنني أنا ألفته مع الشيخ سعد الجنيدل ليس صحيحا، ولا مع حمد الجاسر، أنا ألفت الكتاب لوحدي، والشيخ سعد الجنيدل عهد إليه بأعلى نجد، ولذلك سماه «معجم العالمية» من الدوادمي إلى الحدود الإدارية لمنطقة مكة المكرمة، وإلى وادي الدواسر من جهة الجنوب، وإلى حدود القصيم الإدارية، يعني الغربية من جهة الشمال، أما الشيخ حمد الجاسر فقد أخذ شمال المملكة، والشيخ عبد الله بن خميس، قواه الله وعافاه هـــو من كتـــب عــن منطقة اليمامة، وسمى كتابه «معجم اليمامة»، فنحن قمنا بهذا الواجب، وكل واحد عمل بمفرده إلا أننا عندما بدأنا بالعمل وجدنا أن هناك أماكن لابد أن نشاهدها، فمثلا أنت تكتب عن أماكن بعيدة ولكنها ملحقة بمنطقة مكة المكرمة، لابد أن تراها، لأن الوصف لا يكفي، واتفقنا على أن نطلب من الملك فيصل - رحمه الله- أن يأمر وزارة الإعلام أن تهيئ لنا قافلة للذهاب إلى تلك الأماكن، وأن تقوم بكل ما يلزم، وبالفعل كتب إليه الشيخ حمد الجاسر بذلك، فوافق عليه، وقامت الوزارة بكل ما يلزم، والمفجع والمصيبة الكبيرة التي حدثت ونحن في هذه الرحلة، أننا غادرنا الرياض في الصباح، وفي المساء كنا في الدوادمي، ونمنا هناك وكل شيء معنا، وعندما جلسنا للغداء بعد صلاة الظهر بساعة، فإذا بالإذاعة تعلن ـ ولم نكن استمعنا لإذاعة الصباح تذيع الخبر المشؤوم ـ أن الملك فيصل رحمه قد قتل، ولكن الأمراء اجتمعوا، وأهل الحل والعقد، وبايعوا الملك خالد ملكا على المملكة العربية السعودية، أما وزير الداخلية فقد أصدر أمرا إلى جميع أمراء المناطق بأن يلاحظوا الأمن، وأن يرسلوا دوريات حتى لا يغفل رجال الأمن عن مهامهم، والحمد لله حتى يظل كل شيء على ما كان عليه.
رحلة متواصلة
• وماذا حدث بعد ذلك ؟
ـــــ بدأنا نتساءل، نحن بدأنا رحلتنا أمس، فهل معنى وفاة الملك فيصل - رحمه الله- أن الرحلة انتهت، وعلينا أن نعود للرياض دون أن نواصل؟ نعم، نحن نريد أن نكمل رحلتنا المرسومة إلى حدود مكة، يعني حدود منطقة الرياض مع حدود منطقة مكة المكرمة، يعني خلف الدوادمي وعفيف، ثم بعد ذلك نذهب إلى أقصى حدود القصيم مع المدينة المنورة، وهذه كلها برية، ثم بعد ذلك نذهب إلى حدود حائل مع المدينة المنورة، ثم من حائل نذهب نازلين حتى نصل إلى حدود الكويت، وندخل الكويت ونصل إلى حدودها مع البصرة، لأن هذه أماكن داخلة في عملنا، وكل شيء ميسر، معنا من النقود والخدم، فتشاورنا وقلنا: إن شاء الله ما يكون إلا الخير، والحمد لله، ما دام أن الملك خالد غفر الله له، قد بايعه أهل الحل والعقد، فقررنا الاستمرار والحمد لله دون مشكلات، لكن حصل معنا شيء، وهو أننا عندما أتينا موقعا تابعا لإمارة المدينة المنورة، صادفنا رجال من رئيس المركز التابعين له، ورأونا نتجول، وما شعرنا إلا بأربعة أو ثلاثة من سيارات الجيب العسكرية وفيها رجال مسلحون وقد صوبوا البنادق إلينا، وقالوا: قفوا.. قفوا.. وقفنا وقلنا : ما الأمر ؟ قالوا : ما الذي جاء بكم؟ وماذا تفعلون؟ وماذا تريدون؟ قلنا لهم: هذا الشيخ حمد الجاسر، والذي معه نحن فلان وفلان، قالوا: ماذا تفعلون؟ فالملك فيصل قتل رحمه الله، ووزير الداخلية أكد بإرسال دوريات للمحافظة على الأمن، قالوا، أذهبوا معنا إلى رئيس المركز، ذهبنا إلى رئيس المركز وأفهمناه، وقلنا له قصتنا كذا وكذا، قال اعذرونا يا إخوان، فقد جاءنا من مرجعنا وزير الداخلية بتسيير دوريات للمحافظة على الأمن، وقد جاءتنا إخبارية بأن معكم سيارة جيب وغيرها، وأنكم تتجولون، ولا نعرف قصدكم، فقلنا هذا هو قصدنا. قال: تعالوا تعشوا معنا، وهذه بعض من قصص تأليف معجم بلاد القصيم، وقد استغرقت عملية إعداد المعجم وقتا أطول مما كنت أظن، لأنني لم أكن متفرغا له، فقد كانت وظيفتي في ذلك الوقت «الأمين العام للدعوة الإسلامية» وعندما بدأت فيه كنت أيضا في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ولكن لم أكن متفرغا له.
موافقة ابن باز
• نود أن نقف على بداية الاهتمام بالرحلات إلى الخارج، هل كانت عندما كنتم في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة ؟ أم بعد انتقالكم إلى رابطة العالم الإسلامي؟
ـــــ هذا السؤال في الصميم كما يقال، لأن هناك من كان يظن أنني لم أبدأ في كتابة كتب الرحلات إلا عندما كنت في الرابطة، وهذا ليس صحيحا، بل بدأت قبل ذلك بسنوات كثيرة، عندما كنت في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، والفكرة نفسها بدأت من عمل الجامعة الإسلامية، لأننا عندما فتحنا الجامعة الإسلامية، كنا قررنا في أول نظام وضعناه بأن لا تزيد نسبة السعوديين على «20 %» من طلاب الجامعة الإسلامية، ولابد أن تكون نسبة غير السعوديين «80 %». ولا تنقص عن ذلك، لأن الطلاب السعوديين لهم كلية الشريعة في مكة وفي الرياض، بينما هؤلاء الطلاب الذين يأتون من الخارج، القصد من ذلك أن يحصلوا على الدراسة، في الجو الإسلامي في المدينة المنورة، لذلك صارت «80 %» من مقاعد الطلاب في الجامعة الإسلامية لغير السعوديين على هيئة منح، نحن نوزعها في أول كل سنة، الدولة الفلانية لها كذا منحة، والفلانية لها كذا، والبلاد المحتاجة هي بلاد أفريقية يأتي منها الطلاب الذين نريد، لأن افريقيا في ذلك الوقت كانت هدفا للمنصرين، وبعد الاستعمار خاف المستعمرون أن يستولى عليها المسلمون فكريا، فركز المنصرون على أفريقية، فنظمنا رحلة إليها، وعملنا لها بيانا فيما ينبغي أن نعمله، وعرضته على الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، نائب رئيس الجامعة الإسلامية في ذلك الوقت، ووافق عليه، فرفعناه إلى سماحة الشيخ محمد بن إبراه





























